*"مفهوم السيادة بين التسلط والتحرر"* بقلم ✍️ الأستاذة ليال الدويهي*

عاجل

الفئة

shadow


ليال الدويهي✍️

نشأ مفهوم السيادة في العصور الوسطى كمبدأ لغوي وفكري يستند الى "الفعل ساد أو يسود"، أو كما عرفه الأوروبيون بمفهوم "الذي فوق". ومنذ البداية، 
ارتبط هذا التعبير بالسلطة، وشكّل أساسًا لتطور الهياكل السياسية والتنظيمية للدول. 
لم تكن السيادة مجرد مفهوم بل كانت أداة لتأكيد هيمنة المنتصر؛ 
حكم القوي الذي فرض وجوده وسيطرته، وأسس بذلك قاعدة السلطة المطلقة.

في تلك الحقبة، تمحور مفهوم السيادة حول السلطة العليا للملك أو الأمير،
ولكنه لم يكن مطلقًا بالكامل،
إذ كان مقيدًا بقيود الكنيسة والنظم الإقطاعية، ما يعكس التداخل بين الدين والاقتصاد في بناء الهياكل السياسية. 
هذه القيود تحولت مع الزمن، لتصبح أكثر تعقيدًا، 
حيث أفرزت أنماطًا مثل الطائفية، العائلية،
وما أطلق عليه حليم بركات "النيوبطريركية"،
وهي أنظمة تضع الولاء للعائلة والعشيرة فوق الولاء المدني، 
مما يعكس استمرار الارتباط الاجتماعي بالسلطة حتى في عصر الدول الحديثة.

على المستوى الفكري، شكل جان بودان نقطة تحول في فهم السيادة،
حيث عرّفها بأنها "السلطة المطلقة والدائمة للدولة". 
لم يكن تعريف بودان مجرد نظرية، بل كان إطارًا عمليًا للدولة، 
يضمن استقلالها وحمايتها من التدخل الخارجي. 
أضفى بودان طابعًا جديدًا على السيادة؛ استقلالية الدولة في فرض سلطتها واتخاذ قراراتها دون قيود خارجية، 
وهو ما يتماشى مع القانون الدولي الذي يمنح كل دولة الحق في حماية أراضيها واستقلال قراراتها.

لكن السؤال الجوهري الذي يبرز هنا، 
هل كان مفهوم السيادة عبر التاريخ مجرد وسيلة لتبرير سلطة القوي، 
أم أنه كما يراه بودان حقٌ مشروع للدولة في حماية استقلالها؟ 
في ظل عالم تسوده الذرائع السياسية والفكر التوسعي، مثل الادعاءات بوقف "الخطر الداهم"،
أو الدفاع ضد "معاداة السامية"، 
تستمر الدول الكبرى في إعادة رسم الحدود وفرض الهيمنة.
كيف يمكن تفسير هذه الذرائع ونحن في منطقة الشرق الأوسط، موطن الساميين أنفسهم، أبناء سام بن نوح؟

برزت فكرة السيادة بوضوح مع نشوء الدولة القومية الحديثة، 
حيث أصبحت تعني "حق الدولة في حكم نفسها دون تدخل خارجي"، 
وهو مفهوم تجلى بشكل صارخ عقب معاهدة وستفاليا عام 1648. 
هذه المعاهدة رسخت سيادة الدول كحجر أساس للنظام الدولي،
مؤكدة أن الدولة هي الكيان الوحيد المسؤول عن أراضيها.

وفي كتابه "الليفياثان" عام 1651، عمّق توماس هوبز مفهوم السيادة بتقديم رؤية فلسفية داعمة لوجود سلطة مركزية قوية.
رأى هوبز أن السيادة يجب أن تكون مطلقة وغير قابلة للتقسيم، 
مبررًا ذلك بأنها الأداة الضرورية لحماية المجتمع من الفوضى وتعزيز النظام. 
لم يكن طرحه مجرد فلسفة، 
بل تحول إلى دعامة أساسية للدولة الحديثة التي تسعى لتحقيق هذا النموذج.

في العالم العربي، تُستخدم السيادة كرمز للتحرر من الهيمنة السياسية والاقتصادية، ومطلب لتحقيق "قرار عربي مستقل".
كثيرًا ما أكدت القمم العربية على رفض التدخل الأجنبي، 
مع التشديد على ضرورة حماية الوحدة الوطنية والأراضي العربية. 
ولكن تبقى الجرائم الإنسانية الكبرى، مثل الإبادات الجماعية والتطهير العرقي، علامة استفهام تُثير التفكير.
لماذا لم تحرك هذه الجرائم العمق العربي والدولي؟
ألم تكن كافية لإحداث تغيير جذري في المفاهيم السياسية والأطر القانونية التي تحكم العالم؟

ما يقدمه هذا النص ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو دعوة للتفكير النقدي في تطور مفهوم السيادة، 
وفي موقعنا اليوم وسط هذا السياق التاريخي المعقد. 
هل نحن شركاء فاعلون في إعادة صياغة هذا المفهوم وفقًا لمتطلبات العصر، 
أم أننا مجرد متلقين له خاضعين لتداعياته؟

الناشر

علي نعمة
علي نعمة

shadow

أخبار ذات صلة